ابدأ من هنا | ما التدخل التربوي؟
يدخل الأستاذ إلى القسم فيجد أمامه سلوكات كثيرة: تلميذ يقاطع، وآخر يسأل باستمرار، وثالث يمزح أثناء الشرح، ورابع يبدو منشغلاً بشيء آخر.
يمكن أن نتعامل مع هذه السلوكات باعتبارها أشياء ينبغي إيقافها. لكن التدخل التربوي يبدأ من سؤال مختلف:
ما الذي يحدث هنا، وما أقرب ما يمكنني تعليمه أو تنظيمه أو تعديله حتى يصبح التعلم أكثر احتمالاً؟
فالسلوك الذي نراه مهم، ما هو الا نقطة البداية.
التدخل التربوي فعل مهني مقصود
التدخل التربوي هو فعل مهني مقصود يختاره الأستاذ للتأثير في عامل قابل للتعليم أو التنظيم أو التعديل في الوضعية، بهدف دعم التعلم أو جعل سلوك المتعلم أكثر ملاءمة له، ثم يتابع ما يتغير بعد تدخله.
لهذا لا يبدأ التدخل بما نفعله فقط، بل بالطريقة التي نقرر بها أين نتدخل.
في هذا الموقع نسير وفق منطق بسيط:
ألاحظ ما يحدث ← أفسّر بحذر ← أحدّد العامل المستهدف ← أخطّط للتدخّل ← أنفّذ التدخّل ← أتابع ما يتغيّر
هذه المراحل لا تعني أن الأستاذ يتوقف في القسم ليجري تحليلاً طويلاً قبل كل تصرف. إنها طريقة للتفكير تساعده، مع الممارسة، على الانتقال من رد الفعل المباشر على السلوك إلى قرار تربوي أكثر وعياً.
نبدأ بالسلوك الظاهر، لكننا لا نشخّص من خلاله
عندما يجيب تلميذ قبل أن يحين دوره، ما نعرفه يقيناً هو أنه تكلم قبل دوره.
قد يكون متحمساً، أو معتاداً على الكلام فور تولد الفكرة، أو راغباً في لفت الانتباه، أو متأثراً بعوامل أخرى. لا يسمح لنا السلوك وحده بأن نحسم أي تفسير من هذه التفسيرات.
لذلك نفرق بين ما نلاحظه وما نفترض أنه قد يفسره.
ولا نحتاج دائماً إلى معرفة السبب الأبعد حتى نبدأ. نحتاج إلى فرضية تربوية معقولة تقودنا إلى شيء يستطيع الأستاذ أن يعلمه أو ينظمه أو يعدله.
لا يحدد السلوك وحده التدخل
قد يقاطع تلميذان المتحدث بالطريقة نفسها ظاهرياً، لكن معرفتنا بهما وبالوضعية قد تقودنا إلى تدخلين مختلفين.
قد يكون الأول يعرف الإجابة ويتحمس للمشاركة، فتنتقل الفكرة سريعاً لديه إلى الكلام قبل انتظار دوره. هنا يمكن أن تكون نقطة التدخل الأقرب هي تنظيم الحماس عند المشاركة.
أما الثاني فقد يقاطع خصوصاً عندما يختلف مع المتحدث أو ينزعج مما قيل، فينتقل سريعاً من الاختلاف إلى الاعتراض. هنا قد تكون نقطة التدخل الأقرب هي تنظيم القرار والكلام عند الاختلاف أو التوتر.
السلوك الظاهر متشابه، لكن ما نعرفه عن حدوثه يجعل قرار التدخل مختلفاً.
لهذا لا توجد علاقة آلية من نوع: هذا السلوك = هذا التدخل.
القرار يُبنى أيضاً على معرفة التلاميذ
الأستاذ لا يتدخل مع سلوك منفصل عن صاحبه. إنه يعرف تلاميذه، ويلاحظ كيف يتصرفون في مواقف مختلفة، وما الذي يسبق السلوك، ومتى يزداد أو يقل، وما الذي سبق أن ساعدهم.
لنأخذ المزاح أثناء الشرح.
قد نعرف تلميذاً يمزح من حين إلى آخر، لكنه يحترم الأستاذ وإطار القسم، ولا يستعمل المزاح لمعارضته أو تعطيل الدرس. يبدو أنه عندما تطول عليه المهمة يبحث عن الحركية والتفاعل خارجها.
في هذه الحالة يمكن أن تكون فرضيتنا الأقرب أن الاهتمام ينتقل إلى خارج المهمة. ولذلك قد نبدأ بمساعدته على إيجاد فضول أو تحدٍّ أو فائدة داخل ما يتعلمه.
هذا السلوك الظاهر نفسه يمكن أن يحمل معنى مختلفاً لدى تلميذ آخر.
إذا كان المزاح جزءاً من محاولة متكررة للتشويش على الأستاذ أو معاكسته أو كسر إطار الوضعية، فإن الأولوية تتغير. قبل أن نسأل كيف نجعل المهمة أكثر جذباً، نحتاج إلى إطار واضح ينظم ما يحدث عندما يكون هناك متحدث واحد وما الحدود التي تسمح باستمرار التعلم. وقد نعود بعد ذلك إلى دعم الاهتمام بالمهمة أيضاً.
إذن معرفتنا بالتلميذ لا تستخدم لتثبيت صفة عليه، بل لتحسين فرضية التدخل التي نبدأ بها.
نبحث عن أقرب نقطة تدخل تربوي ذات نفع
ليس هدفنا أن نصل في كل مرة إلى أعمق تفسير ممكن للسلوك.
نسأل بدلاً من ذلك:
ما أقرب عامل أستطيع تعليمه أو تنظيمه أو تعديله الآن، ويُرجَّح أن يساعد فعلاً على تغيير ما يحدث أو دعم التعلم؟
هذه هي أقرب نقطة تدخل تربوي ذات نفع.
فعندما ينتقل تلميذ مباشرة إلى الأستاذ كلما واجه صعوبة، قد تكون وراء ذلك عوامل كثيرة. لكننا نستطيع أن نبدأ بعامل قريب وقابل للتدخل: كيف يطلب المساعدة عندما لا يعرف؟
نقدم له تدرجاً في طلب المساعدة، ونلاحظ ما يحدث. إذا بدأ يبحث ويجرب قبل الانتقال إلى الأستاذ، فقد حصل تغير مهم دون أن نحتاج إلى تفسير بعيد للسلوك.
ننتقل بين العوامل بتدرج، لا بقفزات
يمكن أن يرتبط السلوك بعوامل متعددة في الوقت نفسه. لكن وجود عدة عوامل محتملة لا يعني أن نستهدفها كلها دفعة واحدة. نرتبها تربوياً. ننظر أولاً إلى ما هو قريب من السلوك والوضعية، مدعوم بما نعرفه عن التلميذ، قابل للتعديل أو التعليم، وذو أولوية لاستمرار التعلم.
قد نجد أن الأقرب هو:
- استراتيجية لم يكتسب التلميذ استعمالها بعد؛
- طريقة تنظيم مشاركته أو كلامه؛
- علاقته بالمهمة واهتمامه بها؛
- تنظيم النشاط أو التعليمات أو الموارد؛
- روتين أو إطار صفي يحتاج إلى مزيد من الوضوح والثبات.
وقد لا يكفي ذلك. عندها لا نستنتج مباشرة أن التلميذ «لا يريد» أو أن لديه مشكلة ثابتة. نلاحظ ما حدث بعد تدخلنا، ونراجع فرضيتنا، وننتقل عند الحاجة إلى عوامل أخرى أو إلى دعم أكثر تخصيصاً.
التدرج في العوامل ليس ترتيباً جامداً؛ إنه طريقة لمنعنا من القفز إلى تفسير بعيد قبل اختبار ما هو أقرب وأكثر قابلية لإحداث أثر.
أحياناً ندعم المتعلم، وأحياناً نغيّر الوضعية
التدخل التربوي لا يعني دائماً أن في التلميذ شيئاً ينبغي تغييره. قد يحتاج المتعلم إلى استراتيجية: كيف يطلب المساعدة، كيف يحتفظ بفكرته حتى يحين دوره، كيف يجد نقطة اهتمام في مهمة، أو كيف يستخدم تدوين الملاحظات ليبقى متابعاً للشرح.
لكن قد تكون نقطة التدخل في الوضعية نفسها.
إذا كان التلاميذ لا يعرفون بوضوح ماذا يعني أن يكون هناك متحدث واحد، وكيف ينتقل الدور، وماذا يفعل من يريد الكلام، فقد يكون بناء روتين واضح للوضعية أنفع من مطالبة كل تلميذ على حدة بأن «يتوقف عن التشويش».
ولهذا نسأل دائماً سؤالين: ما الذي يحتاج المتعلم إلى تعلمه؟ و ما الذي تحتاج الوضعية إلى تنظيمه؟
السلوكات المختلفة قد تقود إلى نقطة تدخل مشتركة
قد يهمس تلميذ مع زميله، ويلتفت آخر بعيداً، وينشغل ثالث بهاتفه، ويرسم رابع شيئاً لا علاقة له بالمهمة.
هذه السلوكات ليست متطابقة. لكن إذا لاحظنا أن هؤلاء التلاميذ لا يستخدمون استراتيجية تساعدهم على التقاط المهم أثناء الشرح، أو أنهم عندما يدونون الملاحظات يحاولون كتابة كل شيء ويجدون صعوبة في متابعة الشرح والكتابة في الوقت نفسه، فقد تقودنا هذه الملاحظة إلى فرضية تربوية أقرب: أنهم يحتاجون إلى دعم في توجيه انتباههم إلى المعلومات المهمة وتخفيف العبء على الذاكرة العاملة أثناء الاستماع. عندها يمكن أن تصبح نقطة التدخل الأقرب هي تعليمهم كيف يلتقطون المهم ويدونونه باختصار ثم يعودون إلى الشرح.
إذن نحن لا نجمع السلوكات لأنها تبدو متشابهة فقط، بل عندما تقودنا معرفتنا بها إلى نقطة تدخل مشتركة ذات نفع.
التدخل ليس مجرد إيقاف السلوك
قد يقول الأستاذ للتلميذ: «توقف عن الكلام»، فيتوقف.
كان ذلك ضرورياً أحياناً لاستمرار الدرس، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال تربوي آخر: ماذا سيفعل التلميذ في المرة القادمة بدلاً من السلوك الذي أوقفناه؟
هنا يظهر الفرق بين إيقاف السلوك وبناء بديل يمكن استعماله.
بدلاً من الاكتفاء بـ«لا تسأل الآن»، يمكن أن يتعلم التلميذ كيف يتدرج في طلب المساعدة.
وبدلاً من «لا تقاطع»، يمكن أن يتعلم كيف يحتفظ بفكرته وينتظر دوره.
وبدلاً من «انتبه»، يمكن أن يجد طريقة تجعل استماعه أكثر نشاطاً.
وبدلاً من «لا تمزح»، قد نساعده على البحث عن شيء يستحق المتابعة داخل المهمة — إذا كان هذا بالفعل هو العامل الأقرب في حالته.
التدخل لا يبدأ بالأداة. يبدأ بالقرار الذي جعلنا نختارها.
نبدأ بالقسم كله ثم نزيد الدعم لمن يحتاجه
عندما تكون الاستراتيجية أو الروتين نافعين لعدد من التلاميذ، يمكن تقديمهما أولاً للقسم كله.
نشرح الاستراتيجية، نجعلها مرئية عند الحاجة، ونذكّر بها في السياق الذي يمكن استعمالها فيه. ثم يجربها التلاميذ ويكتشفون فائدتها، ويستعملونها في مواقف مختلفة، فيفهمون تدريجياً متى وكيف يمكن أن تساعدهم.
لن يحتاج الجميع إلى المستوى نفسه من الدعم. قد يكفي بعض التلاميذ التقديم الأول والتذكير البصري، بينما يحتاج آخرون إلى دعم إضافي وأكثر تخصيصاً. وهنا أيضاً تقودنا الملاحظة إلى القرار الموالي.
نتابع ما يتغيّر
اختيار تدخل معقول لا يعني أننا أثبتنا مسبقاً أنه التدخل الصحيح. لذلك نعود إلى ما يمكن ملاحظته.
هل أصبح التلميذ يتريث قبل طلب المساعدة؟
هل ينتظر دوره أكثر؟
هل أصبح يعود إلى المهمة أسرع؟
هل تساعده ملاحظاته على متابعة الشرح؟
هل انخفض التشويش عندما أصبح إطار الوضعية أوضح؟
نبحث عن تغير يمكن ملاحظته. إذا ظهر التغير، أصبحت لدينا قرائن تدعم استمرار ما نقوم به. وإذا لم يظهر، نراجع ما افترضناه ونعدّل تدخلنا. بهذا المعنى، التدخل التربوي فرضية عملية نختبر فائدتها بما يتغير في السلوك والتعلم.
كيف نقرر أين نتدخل؟
يمكن اختصار المنطق الذي ستجدونه في مقالات هذا الموقع في ست مراحل:
ألاحظ ما يحدث ← أفسّر بحذر ← أحدّد العامل المستهدف ← أخطّط للتدخّل ← أنفّذ التدخّل ← أتابع ما يتغيّر
داخل هذا المسار نستفيد مما نعرفه عن التلميذ وعن الوضعية، ونرتب العوامل المحتملة، ونبحث عن أقرب نقطة تدخل تربوي ذات نفع. لذلك لن تجدوا هنا وصفة ثابتة لكل سلوك. سنبدأ دائماً مما يمكن ملاحظته، لكننا سنحاول أن نرى ما وراء المظهر بما يكفي لاتخاذ قرار تربوي معقول، دون أن نحوّل الفرضيات إلى تشخيصات.
والسؤال الذي سيقودنا لن يكون فقط: كيف أوقف هذا السلوك؟ بل: ما الذي أعرفه عن هذا التلميذ وهذه الوضعية، وأين أستطيع أن أتدخل الآن حتى يصبح التعلم أكثر احتمالاً؟
هنا يبدأ احتراف التدخل التربوي: ليس بامتلاك جواب جاهز لكل سلوك، بل بأن نصبح أكثر دقة في الملاحظة والفهم والقرار؛ نعرف لماذا اخترنا تدخلاً معيناً، وما الذي نريد أن يتغير بسببه، ثم نتابع ما يحدث ونعدّل قرارنا عند الحاجة.
أن نحترف التدخل التربوي يعني أن ننتقل من رد الفعل على السلوك إلى قرار تربوي واعٍ ومبني على المعرفة.
د. منال الراوي
أستاذة باحثة في علوم التربية
شاهد كيف يتحول هذا المنهج إلى تدخلات صفية:
استكشف وضعية التعلم الجماعي ←
تعليقات
إرسال تعليق