طلب المساعدة: استراتيجية تعلم تدعم الاستقلالية

طلب المساعدة ليس مجرد سؤال يطرحه التلميذ عندما لا يعرف الجواب. إنه استراتيجية تعلم عندما يستخدم المتعلم الآخرين موردًا يساعده على تجاوز صعوبة ومواصلة العمل بنفسه.

يسمي Newman (2002) هذا النمط طلب المساعدة التكيفي (adaptive help seeking): أن يطلب المتعلم القدر من المساعدة الذي يحتاج إليه كي يستطيع الاستمرار في التعلم، لا أن يطلب من شخص آخر إنجاز المهمة أو إعطاءه الجواب مباشرة. ويرى أن استعمال هذه الاستراتيجية يتطلب أن يلاحظ المتعلم أنه وصل إلى صعوبة لا يستطيع تجاوزها وحده، ثم يبادر إلى الحصول على المساعدة المناسبة.

هذه الفكرة تغير نظرتنا إلى طلب المساعدة داخل القسم: الاستقلالية لا تعني ألا يحتاج التلميذ إلى أحد؛ بل أن يعرف كيف يستخدم موارده، ومنها الآخرون، عندما يحتاج إليها.

طلب المساعدة: استراتيجية تعلم تدعم الاستقلالية

أهمية الاستراتيجية: المساعدة الجيدة تعيد التلميذ إلى التعلم

تكمن قيمة طلب المساعدة التكيفي في أنه يسمح للمتعلم بالبقاء منخرطًا في المهمة بدل الاستسلام أو البقاء عالقًا. يربط Newman هذه الاستراتيجية بتفادي الفشل المحتمل، والمحافظة على الانخراط، والنجاح في المهمة، وزيادة فرص التمكن والاستقلالية على المدى الأبعد.

لكن هذا لا يعني أن كل طلب للمساعدة يؤدي إلى هذه النتائج.

قارن بين:

«أستاذ، أعطني الجواب.»

و:

«جربت هذه الطريقة، لكنني لا أعرف ماذا أفعل في هذه الخطوة.»

كلا التلميذين يطلب المساعدة، لكن الثاني يستخدم المساعدة لكي يستأنف حل المشكلة بنفسه.

ولهذا فإن الهدف التربوي ليس زيادة عدد الأسئلة أو تقليله، بل تحسين وظيفة السؤال في التعلم.

طلب المساعدة التكيفي يتطلب عدة مهارات، وليس مهارة واحدة

لكي يستخدم التلميذ هذه الاستراتيجية بفاعلية، يحتاج إلى اتخاذ سلسلة من القرارات. يشير Newman إلى مكونات معرفية واجتماعية ودافعية، من بينها أن يعرف المتعلم متى أصبحت المساعدة ضرورية، وأن يعرف أن الآخرين يمكن أن يساعدوه، وأن يستطيع صياغة سؤال يحصل به على ما يحتاج إليه تحديدًا؛ كما يحتاج إلى معرفة الشخص المناسب وكيف يطلب المساعدة بطريقة ملائمة اجتماعيًا.

يمكن ترجمة ذلك تربويًا إلى أربعة أسئلة:

  • هل أحتاج فعلًا إلى المساعدة؟
  • ما الذي أحتاج إلى مساعدة فيه تحديدًا؟
  • من المورد الأنسب الآن؟
  • ما مقدار المساعدة الذي يسمح لي بأن أواصل بنفسي؟

إذن، استراتيجية طلب المساعدة لا تبدأ عند رفع اليد. إنها تبدأ قبل ذلك، عندما يقيّم التلميذ صعوبته ويقرر ماذا يفعل بها.

هناك سلوكان مختلفان نريد تجنبهما

الأول هو طلب المساعدة قبل أن تصبح ضرورية.

قد يظهر أول عائق فيتوجه التلميذ فورًا إلى الأستاذ أو إلى زميله، قبل أن يعيد قراءة التعليمة أو يسترجع ما يعرفه أو يجرب حلًا. هنا يمكن أن تصبح المساعدة بديلًا عن النشاط المعرفي الذي نريد من التلميذ القيام به.

Newman يشير إلى أن البيئات التي تركز على الظهور بمظهر الكفء أو على الأداء قد ترتبط بأنماط غير تكيفية من بينها طلب الجواب الصحيح مباشرة دون محاولة المهمة أولًا.

السلوك الثاني هو عدم طلب المساعدة رغم الحاجة إليها.

التلميذ المستقل ليس التلميذ الذي يبقى عالقًا وحده. عندما لا تكفي موارده للاستمرار، فإن الإصرار دون تقدم أو ترك المهمة لا يخدم التعلم.

Ryan وPintrich (1997) يميزان صراحة بين تجنب طلب المساعدة عند الحاجة وطلب المساعدة التكيفي. ويصفان الأخير بأنه طلب تلميحات أو أمثلة لمشكلات مشابهة أو توضيح للمشكلة؛ أي مساعدة محدودة بما يسمح للمتعلم بحل المشكلة بنفسه.

إذن لدينا توازن مطلوب:

لا أطلب المساعدة قبل أن أحاول، ولا أبقى عالقًا عندما أصبحت المساعدة ضرورية.

التلاميذ لا يستخدمون هذه الاستراتيجية تلقائيًا

معرفة أن السؤال مفيد لا تكفي لكي يسأل التلميذ. طلب المساعدة يختلف عن كثير من استراتيجيات التعلم لأنه فعل معرفي واجتماعي في الوقت نفسه. لكي ينفذه المتعلم عليه أن يكشف أمام شخص آخر أنه يحتاج إلى مساعدة. ولهذا تدخل في القرار تصورات عن الكفاءة، والأهداف، ونظرة الزملاء والأستاذ، والفوائد المتوقعة من السؤال. Ryan وPintrich يصفان طلب المساعدة بأنه يجمع بين الانخراط المعرفي والتفاعل الاجتماعي.

في دراستهما على 203 تلاميذ من الصفين السابع والثامن في حصص الرياضيات، وجد Ryan وPintrich (1997) أن تصورات التلاميذ عن طلب المساعدة ارتبطت بطريقة استعمالهم له. فكلما أدرك التلميذ فوائد طلب المساعدة، كان أقل ميلًا إلى تجنبه وأكثر ميلًا إلى استخدامه بصورة تكيفية. في المقابل، ارتبط إدراك التهديدات الاجتماعية المرتبطة بالسؤال، مثل الخوف من حكم الزملاء أو الأستاذ، بزيادة تجنب طلب المساعدة. وفي التحليلات التنبؤية، أسهمت الفوائد والتهديدات المدركة في تفسير تجنب طلب المساعدة، بينما كانت الفوائد المدركة هي المتغير الذي تنبأ بطلب المساعدة التكيفي.

وهذه نتيجة مهمة تربويًا.

فالتلميذ قد يحتاج إلى السؤال، لكنه يفكر أيضًا:

  • هل سيبدو أنني لا أفهم؟
  • ماذا سيعتقد زملائي؟
  • كيف سيرد الأستاذ؟
  • هل سيساعدني السؤال فعلًا؟

وقد بينت الدراسة نفسها أن التهديد المقصود يمكن أن يتعلق بتقدير الذات وباحتمال الحكم السلبي من الزملاء أو الأستاذ.

لهذا فإن قول الأستاذ:

«إذا لم تفهموا، اسألوا.»

قد لا يكون كافيًا.

دور الأستاذ هو تعليم الاستراتيجية وتهيئة شروط استخدامها

إذا كان طلب المساعدة يحتاج إلى معرفة متى نسأل، وماذا نسأل، ومن نسأل، فمن المنطقي ألا نفترض أن جميع التلاميذ يعرفون ذلك من تلقاء أنفسهم. يمكن للأستاذ أن يعلم هذه الاستراتيجية صراحة.

أولًا، يعلم التلميذ أن يحاول قبل أن يطلب المساعدة: يعيد القراءة، يسترجع ما يعرفه، يراجع موارده، ويحدد موضع التعثر.

ثانيًا، يعلمه أن يصوغ سؤالًا محددًا بدلًا من «لم أفهم».

ثالثًا، يعلمه أن يختار المورد المناسب: هل أستطيع الاستمرار بنفسي؟ هل يستطيع زميل مساعدتي؟ هل أحتاج الآن إلى الأستاذ؟

رابعًا، يعلمه أن يستخدم المساعدة للعودة إلى المهمة، لا أن يتوقف دوره بمجرد حصوله على إجابة.

وهنا يصبح تدخل الأستاذ جزءًا من تعلم الاستراتيجية.

المساعدة الفعالة لا تعطي أكثر مما يحتاجه التلميذ

يشير Newman إلى أن إعطاء قدر لا يزيد عما هو ضروري يمكن أن يساعد المتعلم على التمييز بين طلب المساعدة التكيفي والمفرط. كما يناقش فائدة استجابة الأستاذ بالتلميحات والتعليم المتدرج بدلًا من الأجوبة المباشرة والمتحكمة، ثم تشجيع المتعلم على استخدام المساعدة والعودة إلى المشكلة.

لذلك، عندما يسأل التلميذ:

«ما الجواب؟»

ليس ضروريًا أن يكون رد الأستاذ جوابًا.

قد يكون:

  • «ماذا جربت؟»
  • «أين توقفت؟»
  • «ما الجزء الذي تحتاج إلى مساعدة فيه؟»

هذه الأسئلة لا تحرم التلميذ من المساعدة، بل تساعده على تحسين طلبه وتحديد حاجته. وعندما يحتاج إلى مساعدة فعلية، يمكن للأستاذ أن يعطي تلميحًا أو توضيحًا أو مثالًا بالقدر الذي يسمح له بالعودة إلى العمل.

الزميل أيضًا يمكن أن يكون موردًا للتعلم

طلب المساعدة لا يقتصر على العلاقة بين التلميذ والأستاذ. يشير Newman إلى أن العمل التعاوني يتيح للتلاميذ ممارسة طرح أسئلة أكثر وضوحًا وتحديدًا، وتعلم متى وكيف يطلبون مساعدة بعضهم. كما أن المساعدة الأكثر تفسيرًا، بدلًا من إعطاء الإجابة فقط، تكون أكثر فائدة عندما يستخدمها المتعلم بعد ذلك بصورة بناءة.

لكن وجود الزميل لا يعني أن نسأله فورًا أو نقاطعه في أي وقت. وهنا تصبح إدارة المورد جزءًا من الاستراتيجية: أختار الشخص المناسب، والوقت المناسب، وأوضح له ما جربته وما الذي أحتاج إليه.

كيف نعلّم الاستراتيجية عمليًا؟

يمكن اختصارها للتلميذ في مسار واضح:

تظهر صعوبة ← أحاول وأحدد ما لا أعرفه ← أقرر هل أحتاج إلى مساعدة ← أختار المورد المناسب ← أطلب مساعدة محددة ← أستخدمها وأعود إلى المهمة.

ومن هذا المنطق بنينا أداة «أتريث قبل أن أطلب المساعدة».

فالتلميذ يسجل سؤاله ويتريث ويبحث، ثم يستخدم موارده بالتدرج:

أنا ← زميلي ← أستاذي

الهدف من هذا التدرج ليس تأخير المساعدة. الهدف أن يتعلم التلميذ ألا يستبدل تفكيره بالمساعدة، وألا يحرم نفسه منها عندما تصبح ضرورية.

ما الذي نريد أن يتعلمه التلميذ في النهاية؟

نريد أن يصبح قادرًا على قول:

«أعرف متى أستطيع الاستمرار وحدي، ومتى أحتاج إلى مساعدة، ومن أسأل، وماذا أطلب حتى أتمكن من مواصلة التعلم.»

هذه هي الفكرة المركزية لطلب المساعدة التكيفي.

فطلب المساعدة لا يناقض الاستقلالية عندما يستخدم المتعلم الآخر موردًا للعودة إلى التعلم. بل إن Newman يضع هذه الاستراتيجية في موقع خاص: بخلاف استراتيجيات يستطيع المتعلم تنفيذها منفردًا، فإن طلب المساعدة يقتضي تنظيم التعلم من خلال التفاعل مع الآخرين.

المراجع

Newman, R. S. (2002). How self-regulated learners cope with academic difficulty: The role of adaptive help seeking. Theory Into Practice, 41(2), 132–138.

Ryan, A. M., & Pintrich, P. R. (1997). “Should I ask for help?” The role of motivation and attitudes in adolescents’ help seeking in math class. Journal of Educational Psychology, 89(2), 329–341.

شاهدها في موقف صفي: الأسئلة المتكررة أثناء الشرح

تعليقات