تدوين الملاحظات أثناء الشرح: استراتيجية تساعد التلميذ على متابعة المهم
تدوين الملاحظات أثناء الشرح يعني أن يستمع التلميذ إلى ما يقال، ويحدد المعلومات التي تستحق الاحتفاظ بها، ثم يسجلها بصورة مختصرة قبل أن يعود إلى متابعة الشرح.
إذن فالتدوين ليس مجرد حركة لليد ولا نسخاً لما يقوله الأستاذ. يصف Piolat, Olive & Kellogg (2005) تدوين الملاحظات بأنه نشاط معرفي مركب يتطلب في الوقت نفسه فهم المعلومات، وانتقاء ما ينبغي تسجيله، ثم إنتاج صيغة مكتوبة له. ولهذا لا يمكن مساواته بالنسخ البسيط لما يُسمع أو يُرى.
في هذا المقال نهتم بهذه الوظيفة تحديداً: استخدام التدوين لتوجيه المتابعة أثناء الشرح. فبدلاً من أن يبقى التلميذ مستمعاً بصورة سلبية، يصبح أمامه سؤال مستمر: ما الذي يستحق أن ألتقطه من الكلام الذي أسمعه؟
أهمية الاستراتيجية: التدوين يجعل الاستماع عملية انتقاء ومعالجة
حين يستمع التلميذ إلى شرح طويل، تمر أمامه معلومات كثيرة ومتتابعة. ولا يحتاج إلى الاحتفاظ بها كلها بالقدر نفسه.
تدوين الملاحظات يفرض عليه أن يميز بين ما يسمعه وبين ما يراه مهماً بما يكفي ليكتبه. ويصف Piolat وزملاؤه (2005) الملاحظات بأنها صياغات مختصرة للمادة الأصلية تُنتج أثناء الاستماع أو الدراسة أو الملاحظة، وتتطلب من صاحبها اختيار المعلومات وتغيير شكلها واختصارها.
وهذا الانتقاء مهم أيضاً للتعلم. تميز Jansen, Lakens & IJsselsteijn (2017) بين فائدتين محتملتين للتدوين. الأولى أن الملاحظات تصبح سجلاً يمكن الرجوع إليه لاحقاً، والثانية هي أثر المعالجة أثناء التدوين؛ لأن فعل التدوين نفسه قد يدفع المتعلم إلى معالجة المعلومات بصورة أعمق. لكن المراجعة تؤكد أيضاً أن هذه الفوائد لا تحدث تلقائياً، لأن تدوين الملاحظات يفرض بدوره حملاً معرفياً على المتعلم.
إذن قيمة الاستراتيجية ليست في أن يكتب التلميذ أكبر قدر ممكن، بل في أن يستخدم الكتابة كي يبقى مرتبطاً بما يسمعه ويميز ما يستحق الاحتفاظ به.
يكون تدوين الملاحظات فعّالاً عندما يتناوب التلميذ بين الاستماع والانتقاء والكتابة
تدوين الملاحظات أثناء الشرح يتطلب أكثر من القدرة على الكتابة.
تلخص Feudel & Panse (2022) المهارات التي يتطلبها التدوين أثناء المحاضرة في أربع عمليات: الاستماع والانتباه، معالجة المعلومات، تسجيل المحتوى المهم، ثم معالجة الملاحظات لاحقاً.
وفي لحظة الشرح نفسها يمكن تبسيط هذه العملية إلى دورة قصيرة:
أستمع → ألتقط المهم → أدونه باختصار → أعود إلى الشرح.
أستمع: أركز على ما يشرحه الأستاذ الآن.
ألتقط المهم: أحدد الفكرة التي تستحق أن أحتفظ بها.
أدونه باختصار: أسجل كلمات قليلة تكفيني لاسترجاع المعنى.
أعود إلى الشرح: لا أبقى منشغلاً بالكتابة بعد انتهاء الحاجة إليها.
وهذه الخطوة الأخيرة أساسية. فالتدوين يحدث تحت ضغط الزمن؛ على التلميذ أن يفهم المعلومات الجديدة ويختار منها ويكتب في الوقت نفسه. لذلك يوضح Piolat وزملاؤه (2005) أن تدوين الملاحظات يتطلب قدراً مهماً من موارد الذاكرة العاملة والانتباه التنفيذي.
لهذا فإن الاختصار ليس مجرد طريقة لجعل الدفتر أنيقاً. إنه يساعد التلميذ على الكتابة بالقدر الذي يسمح له بالعودة سريعاً إلى الاستماع.
تدوين الملاحظات لا يعني نسخ كل شيء ولا الانشغال بالكتابة عن الشرح
هناك سلوكان قد يبدوان قريبين من تدوين الملاحظات، لكنهما لا يحققان الغرض نفسه.
الأول هو محاولة كتابة كل ما يقوله الأستاذ. في هذه الحالة يتحول التلميذ من مستمع ينتقي إلى ناسخ يحاول اللحاق بالكلام. ويشير Piolat وزملاؤه (2005) إلى أن تدوين الملاحظات الحقيقي يتضمن الاختصار وإعادة الصياغة وانتقاء المعلومات، وليس مجرد نقل المصدر كما هو.
وتظهر المشكلة بوضوح في دراسة Feudel & Panse (2022) حول محاضرات الرياضيات: فقد وصف الباحثان كيف ينشغل بعض الطلبة بنسخ التعريفات والنظريات والبراهين إلى درجة لا تسمح لهم بالانتباه إلى الشروح الشفوية التي تساعد على فهمها.
أما السلوك الثاني فهو الانشغال بالملاحظة المكتوبة نفسها إلى درجة فقدان ما يأتي بعدها من الشرح. قد تكون المعلومة التي كتبها التلميذ صحيحة، لكن إذا استغرق في صياغتها وتنسيقها بينما يستمر الأستاذ في الكلام، تصبح الكتابة نفسها مصدراً لفقدان المتابعة.
إذن التوازن المطلوب هو: لا أنسخ كل شيء، ولا أترك الكتابة تفصلني عن الشرح؛ ألتقط ما أحتاجه، أكتبه باختصار، ثم أعود إلى الاستماع.
التلاميذ لا يعرفون تلقائياً ما الذي ينبغي تدوينه
مجرد إعطاء التلميذ دفتراً والقول له «دوّن» لا يعني أنه يعرف كيف ينتقي. يحتاج المتعلم إلى أن يميز الفكرة الأساسية من التفاصيل، وأن يلتقط المثال الذي يساعده على الفهم، وأن يسجل السؤال الذي بقي غير واضح له. كما يحتاج إلى أن يعرف متى يتوقف عن الكتابة ويعود إلى الاستماع.
ويظهر Piolat وزملاؤه (2005) أن ممارسات التدوين تختلف كثيراً بين المتعلمين، وأن الطلاب يعتمدون أثناء المحاضرات على إشارات يقدمها الأستاذ، مثل تغير نبرة الكلام، وما يكتب على السبورة، أو التصريح بأن معلومة ما مهمة، كي يقرروا ما يسجلونه.
كما أن كمية ما يكتبه التلميذ لا تصلح وحدها للحكم على مقدار انتباهه. فقد راجع Wilson & Korn (2007) الدراسات التي استُخدم فيها تدوين الملاحظات مؤشراً على الانتباه، وخلصا إلى أن العلاقة ليست بهذه البساطة. كما لم يجدا سنداً قوياً للمقولة الشائعة إن انتباه الطلاب ينخفض بالضرورة بعد عشر أو خمس عشرة دقيقة من بداية المحاضرة، وأكدا وجود فروق فردية كبيرة.
لذلك لا نستخدم التدوين هنا بوصفه اختباراً يثبت أن التلميذ منتبه. نستخدمه استراتيجية تعطيه عملاً معرفياً واضحاً يوجه به متابعته لما يسمعه.
على الأستاذ أن يعلّم التلميذ ماذا يلتقط، لا أن يطلب منه «اكتب» فقط
إذا كان التدوين يتطلب اختيار المهم، فإن تعليم الاستراتيجية يبدأ بمساعدة التلميذ على معرفة ما الذي يستحق الكتابة.
يمكن للأستاذ في البداية أن ينمذج ذلك بصوت واضح: «هذه هي الفكرة الأساسية.»
أو: «هذا المثال يساعدنا على فهم الفكرة.»
أو: «إذا بقي هذا غير واضح، سجله كسؤال.»
ثم يقل هذا الدعم تدريجياً حتى يصبح التلميذ هو الذي يقوم بالاختيار.
وتقدم الملاحظات الموجهة مثالاً جيداً على إمكان تنظيم هذا الدعم. ففي هذا النوع من الأدوات يعطي الأستاذ بنية جزئية ويترك مواضع محددة يملؤها المتعلم أثناء الشرح. وتوضح Feudel & Panse (2022) أن هذا يمكن أن يخفف من الحاجة إلى نسخ كل شيء، ويتيح للطلاب فرصة أكبر للاستماع إلى الشروح ومعالجتها، مع التنبيه إلى أن إعطاء الكثير من المعارف الجاهزة قد يخلق مشكلات جديدة لدى بعض المتعلمين.
إذن المبدأ ليس: «كلما كتب التلميذ أكثر كان أفضل.»
بل: «ساعده أولاً على التعرف إلى ما يستحق أن يكتب، ثم اجعله يتحمل تدريجياً مسؤولية هذا الاختيار.»
الاستراتيجية في الممارسة تحول الاستماع المتشتت إلى متابعة لها هدف
قبل تعلم الاستراتيجية قد يكون المسار هكذا:
أستمع فترة → تمر المعلومات واحدة بعد أخرى → يتشتت انتباهي → أفقد جزءاً من الشرح.
بعد تعلمها يصبح:
أستمع → أبحث عما يستحق الاحتفاظ به → ألتقطه → أدونه باختصار → أعود إلى الاستماع.
ومن هذا المنطق جاءت أداة:
«أثناء الشرح… ألتقط المهم»
وتقدم للتلميذ مساراً من أربع خطوات:
1. أستمع
أركز على ما يُشرح.
2. ألتقط المهم
ما الفكرة التي تستحق أن أحتفظ بها؟
3. أدونه باختصار
أكتب كلمات قليلة وواضحة.
4. أعود إلى الشرح
أتابع الاستماع وأربط بما يلي.
ولا يحتاج التلميذ إلى التقاط كل شيء. يمكنه في كل مرة أن يركز على واحد مما يلي:
فكرة
ما الفكرة الأساسية هنا؟
مثال
ما المثال الذي يساعدني على تذكرها أو فهمها؟
سؤال
ما الذي بقي غير واضح بالنسبة إلي؟
وهكذا تصبح الملاحظة وسيلة للمتابعة لا غاية مستقلة عنها.
المعلومة التي نريد أن تبقى
تدوين الملاحظات ليس نسخاً للشرح، بل اختيار لما يستحق الاحتفاظ به أثناء متابعته. كلما حاول التلميذ أن يكتب كل شيء، زادت المنافسة بين الاستماع والكتابة. أما عندما يتعلم أن يلتقط فكرة أو مثالاً أو سؤالاً، ويسجله باختصار ثم يعود إلى الشرح، فإن الملاحظة تصبح أداة تساعده على تنظيم متابعته.
والقاعدة الأبسط التي نريد أن تبقى لديه هي: أستمع → ألتقط المهم → أدونه باختصار → أعود إلى الشرح.
المراجع
Feudel, F., & Panse, A. (2022). Can guided notes support students’ note-taking in mathematics lectures? International Journal of Research in Undergraduate Mathematics Education, 8, 8–35.
Jansen, R. S., Lakens, D., & IJsselsteijn, W. A. (2017). An integrative review of the cognitive costs and benefits of note-taking. Educational Research Review, 22, 223–233.
Piolat, A., Olive, T., & Kellogg, R. T. (2005). Cognitive effort during note taking. Applied Cognitive Psychology, 19, 291–312.
Wilson, K., & Korn, J. H. (2007). Attention during lectures: Beyond ten minutes. Teaching of Psychology, 34(2), 85–89.
شاهدها في موقف صفي: التشتت أثناء الشرح
تعليقات
إرسال تعليق