تنظيم الانفعال قبل الكلام: استراتيجية تساعد التلميذ على التوقف ثم الاختيار

تنظيم الانفعال قبل الكلام: استراتيجية تساعد التلميذ على التوقف ثم الاختيار

تنظيم الانفعال يعني أن يلاحظ التلميذ العلامات التي تصاحب اشتداد شعوره في موقف ما، مثل توتر الجسم أو تغير التنفس أو الرغبة الملحّة في الكلام، ثم يتوقف قبل أن يتحول هذا الشعور مباشرة إلى قول أو فعل.

ولا يعني تنظيم الانفعال التخلص من الشعور نفسه. فالغضب والخوف والحزن مشاعر مختلفة، ولكل منها أسباب ووظائف ومسارات تنظيم قد تختلف عن الأخرى. لذلك تؤكد الأدبيات أهمية فهم تنظيم الانفعال في علاقته بالشعور المحدد، لا باعتباره قدرة واحدة تعمل بالطريقة نفسها في جميع الحالات (Zimmermann & Iwanski, 2014).

يركز هذا المقال على المبدأ العام الذي يسبق تنظيم كل شعور على حدة: أن يتعلم التلميذ أن يلاحظ ما يشعر به، ويتوقف لحظة، ثم يختار ما سيفعله. أما تنظيم الغضب أو الخوف أو الحزن تحديداً، فلكل واحد منها خصائصه واستراتيجياته التي تحتاج إلى تناول أكثر تخصصاً.

أهمية الاستراتيجية: الشعور ليس المشكلة، لكن توقيت الفعل قد يكون كذلك

قد يعترض التلميذ، أو يصحح كلاماً، أو يدخل في النقاش قبل أن ينتهي المتحدث. وقد يبدو السلوك نفسه متشابهاً، بينما يختلف ما يحدث داخله.

قد يكون منزعجاً لأنه يرى أن ما قيل غير صحيح.

وقد يخشى أن تضيع فكرته أو ألا تتاح له فرصة الكلام.

وقد يأتي إلى الموقف وهو مثقل بشعور آخر، فيصبح أقل قدرة على تحمل الموقف بهدوء.

لا يسمح لنا السلوك الظاهر وحده بأن نعرف أي شعور يوجد خلفه.

وهذه نقطة مهمة لأن الأدبيات لا تعتبر الانفعالات السلبية مجرد شيء ينبغي إزالته. يوضح O’Neal وزملاؤه (2024)، مثلاً، أن الغضب ليس مشكلة في ذاته؛ بل قد يصبح التعبير عنه غير ملائم عندما تكون شدته مرتفعة، أو توقيته غير مناسب، أو يستمر أكثر مما يتطلبه الموقف. كما يمكن للغضب نفسه أن يحمل معلومات عن وجود عائق أو موقف محبط.

إذن الهدف ليس: «لا أغضب، لا أخاف، لا أحزن».

بل: «أشعر بما أشعر به، لكنني لا أترك الشعور يحدد وحده ما سأفعله في اللحظة التالية».

يكون تنظيم الانفعال فعّالاً عندما توجد فاصلة بين الشعور والفعل

من أكثر النتائج ارتباطاً بموقفنا ما وجدته دراسة O’Neal وزملائه (2024) لدى 251 تلميذاً في المرحلة الأخيرة من الابتدائي. درس الباحثون خمس طرائق لتنظيم الغضب، وكان من بينها ما أسموه pause anger: أي الانتظار قبل التصرف تحت تأثير الغضب. وقد كان التوقف قبل التصرف تحت تأثير الغضب أقوى الاستراتيجيات المدروسة، والوحيد الذي تنبأ بالانخراط الوجداني في المدرسة. وكان تعريفه العملي واضحاً: أنتظر قبل أن أتصرف تحت تأثير غضبي.

هذه النتيجة لا تثبت أن كل اعتراض صفي ناتج عن الغضب، ولا أنها اختبرت الأداة التي نقترحها هنا. لكنها تدعم مبدأ أساسياً: حين يشتد الانفعال، فإن التوقف قبل الفعل يمكن أن يكون في حد ذاته استراتيجية تنظيمية. وتدعم دراسة Cole وزملائه (2011) أهمية هذه الفاصلة من زاوية نمائية. فقد تابع الباحثون أطفالاً من عمر 18 إلى 48 شهراً أثناء موقف يتطلب الانتظار، ووجدوا أنه مع التقدم في العمر أصبح الأطفال أبطأ في إظهار الغضب، وأسرع في تحويل انتباههم بعيداً عما يثير الإحباط، وأقصر مدة في التعبير عن الغضب. ويشير الباحثون إلى أن التنظيم قد يبدأ قبل ظهور الغضب نفسه، عندما يستخدم الطفل سلوكاً يساعده على تأخير التعبير عنه.

ولهذا نبني التدخل التربوي على مبدأ بسيط: لا ينتقل التلميذ مباشرة من ارتفاع انفعاله إلى الرد، بل يتوقف أولاً، ثم يحدد فكرته، ثم يقرر هل تحتاج إلى أن تقال ومتى.

ألاحظ أن شيئاً تغير داخلي.

أتوقف قبل أن أتكلم فوراً.

أحدد ما الذي أريد قوله فعلاً.

ثم أقرر هل أتكلم، ومتى، وكيف.

تنظيم الانفعال لا يعني الانفجار ولا كبت الشعور

هناك سلوكان لا نريد أن نخلط بينهما وبين التنظيم.

الأول هو التصرف فوراً تحت تأثير الشعور. قد يشعر التلميذ بالغضب أو الخوف أو الضيق، فيتحول الشعور مباشرة إلى اعتراض أو تصحيح أو مقاطعة قبل انتهاء المتحدث.

والثاني هو كبت الشعور أو الامتناع عن الكلام دائماً. هذا أيضاً ليس هدفنا. فالانفعال قد يحمل معلومة مهمة، وقد يكون لدى التلميذ اعتراض مشروع أو تصحيح صحيح أو سؤال يحتاج فعلاً إلى أن يقال.

التوازن المطلوب هو: لا أتكلم لمجرد أن الشعور اشتد، ولا أمنع نفسي دائماً من الكلام؛ أتوقف أولاً ثم أختار.

وهذا يتفق مع المنظور الوظيفي لتنظيم الانفعال الذي يعرضه O’Neal وزملاؤه: لا توجد طريقة واحدة جيدة أو سيئة دائماً، بل تتحدد فائدة الطريقة بحسب السياق والهدف.

التلاميذ لا يملكون جميعاً الرصيد نفسه من استراتيجيات التنظيم

معرفة قاعدة مثل «لا تقاطع» لا تعني بالضرورة أن التلميذ يستطيع تطبيقها عندما يشتد انفعاله. دراسة Zimmermann & Iwanski (2014) مهمة هنا لأنها تابعت استعمال سبع استراتيجيات لتنظيم الحزن والخوف والغضب من بداية المراهقة إلى الرشد. ووجدت أن أنماط التنظيم تختلف باختلاف الشعور والعمر، وأن منتصف المراهقة يتميز بأفقر رصيد من استراتيجيات تنظيم الانفعال مقارنة بالمراحل المدروسة الأخرى.

كما تؤكد الدراسة أن تنظيم الغضب والخوف والحزن لا يتطور بالطريقة نفسها، لأن هذه المشاعر تختلف في مسبباتها وفي النزعات السلوكية التي تصاحبها. وهذا يمنعنا من تفسير الاعتراض السريع على أنه مجرد «قلة احترام» أو «عناد». قد يعرف التلميذ القاعدة، لكنه لا يملك بعد استراتيجية مستقرة يستخدمها في اللحظة التي يشتد فيها شعوره.

كما لا يمكننا أن نستنتج من المقاطعة وحدها إن كان السبب غضباً أو خوفاً أو حزناً. السلوك يخبرنا أن هناك شيئاً يحتاج إلى تنظيم؛ لكنه لا يكشف وحده طبيعة الشعور الذي يقف خلفه.

على الأستاذ أن يعلّم التوقف قبل القرار، لا أن يطلب الهدوء فقط

إذا كان المطلوب هو إنشاء فاصلة بين الشعور والفعل، فإن قول: «اهدأ.» لا يعلّم التلميذ ماذا يفعل.

الأكثر فائدة هو أن نقدم له مساراً قابلاً للاستعمال:

ألاحظ أنني منزعج أو مستعجل للكلام → أتوقف لحظة → أحدد ما أريد قوله → أقرر ماذا أفعل.

يمكن للأستاذ أن يذكر بهذا المسار عندما يظهر الموقف: «احتفظ بفكرتك لحظة. فكر فيما تريد قوله، ثم سنعود إليها.»

أو: «توقف قليلاً. هل تحتاج إلى قولها الآن أم بعد أن ينتهي المتحدث؟»

وهنا لا نطلب من التلميذ أن يصل إلى هدوء كامل قبل أن يتكلم. المطلوب هو قدر كافٍ من التنظيم يسمح له بالاختيار بدلاً من التصرف الفوري.

وتدعم مراجعة Pedrini وزملائها (2022) هذا الاتجاه على مستوى أوسع؛ فقد راجعت 36 دراسة لتدخلات مدرسية تستهدف تنظيم الانفعال لدى المراهقين، ووجدت أن هذه المهارات قابلة للتطوير من خلال تدخلات مدرسية، بعضها موجه للقسم كله وبعضها مخصص لمن يحتاج إلى دعم أكبر. وهذا يتفق مع منطقنا التربوي: نبدأ باستراتيجية عامة متاحة للجميع، ثم نزيد الدعم إذا بقيت الصعوبة.

الاستراتيجية في الممارسة تحول الرد الفوري إلى قرار

قبل تعلم الاستراتيجية قد يكون المسار هكذا:

أسمع شيئاً يزعجني → يرتفع انفعالي → أرد فوراً.

بعد تعلمها يصبح:

أسمع شيئاً يزعجني → أتوقف لحظة → أحدد ما أريد قوله → أقرر هل يحتاج إلى أن يقال → أقرر هل الآن هو الوقت المناسب → أتكلم أو أحتفظ بفكرتي أو أتركها.

ومن هذا المنطق جاءت أداة:

«قبل أن أرد… أقرر»

تبدأ الأداة من لحظة مألوفة للتلميذ:

اختلفت؟ انزعجت؟ شعرت أنني أريد الرد فوراً؟

1. أتوقف لحظة

لا أتكلم فوراً.

2. أحدد فكرتي

ما الذي أريد قوله بالضبط؟

3. أسأل: هل تحتاج أن تقال؟

إذا كانت الإجابة لا: أتركها وأتابع الاستماع.

وإذا كانت الإجابة نعم: أنتقل إلى السؤال التالي.

4. أسأل: هل الآن هو الوقت المناسب؟

إذا كان ليس الآن: أحتفظ بفكرتي وأنتظر.

وإذا كان نعم: أطلب دوري وأقولها باختصار.

وظيفة الأداة إذن ليست أن تطلب من التلميذ إخماد شعوره أو أن تفرض عليه الصمت. إنها تجعل القرار يقع بين ارتفاع الانفعال والرد: هل أقول فكرتي؟ وإذا كانت تستحق أن تقال، فهل أقولها الآن؟

المعلومة التي نريد أن تبقى

تنظيم الانفعال لا يعني إزالة الشعور، بل إيجاد مساحة بين الشعور والفعل تسمح بالاختيار. وقد يكون وراء الموقف غضب أو خوف أو حزن، ولكل واحد منها خصائصه ومسارات تنظيمه التي سنحتاج إلى فهمها على حدة. أما المهارة العامة التي نريد أن يبدأ بها التلميذ فهي أبسط: أن يلاحظ ارتفاع انفعاله، ويتوقف قبل أن يتصرف، ثم يقرر هل يحتاج ما يريد قوله إلى أن يقال، وهل الآن هو الوقت المناسب لقوله.

المراجع

Cole, P. M., Tan, P. Z., Hall, S. E., Zhang, Y., Crnic, K. A., Blair, C. B., & Li, R. (2011). Developmental changes in anger expression and attention focus: Learning to wait. Developmental Psychology, 47(4), 1078–1089.

O’Neal, C. R., Meyering, K., Babaturk, L., & Gosnell, N. (2024). Child anger regulation measure: Psychometric properties, prediction of emotional engagement, and gender differences. Psychology in the Schools, 61, 1565–1589.

Pedrini, L., Meloni, S., Lanfredi, M., & Rossi, R. (2022). School-based interventions to improve emotional regulation skills in adolescent students: A systematic review. Journal of Adolescence, 94, 1051–1067.

Zimmermann, P., & Iwanski, A. (2014). Emotion regulation from early adolescence to emerging adulthood and middle adulthood: Age differences, gender differences, and emotion-specific developmental variations. International Journal of Behavioral Development, 38(2), 182–194.

شاهدها في موقف صفي: الاعتراض قبل انتهاء المتحدث

تعليقات