إيجاد الاهتمام داخل المهمة: استراتيجية تساعد التلميذ على مواصلة المتابعة
إيجاد الاهتمام داخل المهمة يعني أن يحاول التلميذ، عندما لا تجذبه المهمة تلقائياً، أن يبحث فيها عن جانب يجعل متابعتها أكثر إثارة لفضوله أو تحدياً له أو ارتباطاً بما يهمه.
يندرج ذلك ضمن تنظيم الدافعية؛ أي الأفعال التي يقوم بها المتعلم بصورة مقصودة للمحافظة على رغبته في البدء في المهمة أو بذل الجهد فيها أو الاستمرار حتى إكمالها. ويصف Wolters (2003) تنظيم الدافعية بأنه الأفكار والأفعال التي يستخدمها المتعلم عمداً للتأثير في اختياره وجهده ومثابرته في المهام الأكاديمية.
وتستعمل الأدبيات تسمية تعزيز الاهتمام (interest enhancement) لاستراتيجيات يحاول بها الفرد جعل النشاط غير الممتع أكثر إثارة للاهتمام. أما في هذا المقال فنستعمل عبارة «إيجاد الاهتمام داخل المهمة» كتسمية تربوية تقرب هذه الفكرة من التلميذ: لا ينتظر دائماً أن تصبح المهمة ممتعة من تلقاء نفسها، بل يتعلم أن يبحث فيها عن شيء يستحق أن يبقى معه.
أهمية الاستراتيجية: الاهتمام يساعد التلميذ على البقاء مع المهمة
الاهتمام ليس مجرد شعور لطيف يصاحب التعلم. فقد بينت الأدبيات ارتباطه بالانتباه، وبالأهداف التي يتبناها المتعلم، وبمستوى التعلم الذي يحققه (Hidi & Renninger, 2006).
لكن التلميذ لا يدخل كل درس وهو مهتم مسبقاً بموضوعه. وهنا تميز Hidi & Renninger (2006) بين الاهتمام الفردي، الذي يكون أكثر استقراراً ويرتبط بموضوع معين، والاهتمام الموقفي الذي قد يظهر في اللحظة بفعل ما يقدمه المحتوى أو البيئة. وهذا الفرق مهم تربوياً. ليس مطلوباً أن يحب التلميذ كل مادة أو أن يكون لديه اهتمام سابق بكل ما يدرس. يمكن أن يظهر الاهتمام أثناء المهمة نفسها.
وقد بينت Sansone وزملاؤها (1992) أن الأفراد يستطيعون، عندما تكون المهمة ضرورية لكنها غير ممتعة، أن يستعملوا استراتيجيات تجعل أداءها أكثر إثارة للاهتمام. وكان استعمال هذه الاستراتيجيات مرتبطاً بتغير الطريقة التي يرون بها النشاط وبزيادة احتمال العودة إليه لاحقاً.
إذن الهدف ليس أن نقول للتلميذ: «يجب أن يعجبك الدرس.»
بل أن يتعلم: «حتى إن لم تجذبني المهمة مباشرة، يمكنني أن أبحث فيها عن مدخل يساعدني على متابعتها.»
إيجاد الاهتمام يكون فعّالاً عندما يجد المتعلم مدخلاً يناسب المهمة
لا توجد طريقة واحدة تجعل كل مهمة مثيرة للاهتمام. تشير Sansone وزملاؤها (1992) إلى أن الاستراتيجية المناسبة تختلف بحسب المهمة والفرد والسياق. فقد يكون جعل النشاط أكثر تحدياً مناسباً في حالة، بينما قد تساعد ملاحظة جانب كان المتعلم يتجاهله أو إضافة قدر من التنوع في حالة أخرى.
وقد ميّز Schwinger وزملاؤه (2009) بين استراتيجيتين قريبتين لتنظيم الاهتمام. الأولى هي تعزيز الاهتمام الموقفي، أي تعديل الطريقة التي تُؤدَّى بها المهمة أو يُنظر بها إليها بحيث تصبح أكثر إثارة أو تحدياً. والثانية هي تعزيز الدلالة الشخصية، أي البحث عن علاقة بين المهمة واهتمامات المتعلم أو تفضيلاته الشخصية.
يمكن ترجمة هذا تربوياً إلى ثلاثة مداخل بسيطة:
فضول: ما الذي أريد أن أعرفه هنا؟
تحدٍّ: ما الذي أريد أن أفهمه أو أتوقعه؟
فائدة: أين يمكن أن يفيدني هذا؟
ليست هذه الأسئلة تصنيفاً علمياً مستقلاً للاستراتيجيات الثلاث، بل ترجمة تربوية للأبواب التي تشير إليها الأدبيات: إثارة الاهتمام، إيجاد تحدٍّ داخل النشاط، وربط المهمة بما له معنى أو دلالة للمتعلم.
ولا يحتاج التلميذ إلى إيجاد الأسباب الثلاثة كلها. يكفي أحياناً مدخل واحد يجعل الفكرة تستحق المتابعة.
إيجاد الاهتمام لا يعني انتظار التسلية ولا اختراع نشاط منفصل عن التعلم
هناك سلوكان نريد التمييز بينهما وبين هذه الاستراتيجية.
الأول هو انتظار أن تكون المهمة ممتعة من تلقاء نفسها. إذا لم يحدث ذلك، قد يبحث التلميذ عن مصدر أسرع للمتعة: مزحة، تعليق جانبي، حديث مع زميل، أو شيء آخر خارج المهمة. لكن Sansone وزملاءها ينطلقون تحديداً من حالة يكون فيها النشاط غير ممتع ومع ذلك توجد أسباب للاستمرار فيه. عندها يصبح تنظيم الاهتمام طريقة للمحافظة على الدافعية بدل ترك النشاط.
والسلوك الثاني هو إضافة متعة لا علاقة لها بالمهمة. إذا كان التلميذ يتابع مزاحاً جانبياً أو يشغل نفسه بشيء منفصل عن المحتوى، فقد يكون النشاط أكثر إمتاعاً، لكن اهتمامه انتقل خارج التعلم.
الهدف مختلف: لا أبحث عن شيء يبعدني عن المهمة؛ أبحث داخل المهمة نفسها عن شيء يجعلني أبقى معها.
ولهذا فإن الفضول أو التحدي أو الفائدة لا تحل محل المحتوى. إنها مداخل للعودة إليه والاستمرار فيه.
التلاميذ لا ينظمون اهتمامهم تلقائياً
قد يعرف التلميذ أن عليه متابعة الشرح، لكنه لا يعرف ماذا يفعل عندما يشعر بأن الموضوع لا يجذبه. وهنا يظهر الفرق الذي يوضحه Wolters (2003) بين الدافعية وتنظيم الدافعية. قد يكون التلميذ مهتماً بالمهمة تلقائياً، وهذا مستوى من الدافعية. أما تنظيم الدافعية فيتطلب قدراً من الوعي والقصد: أن يلاحظ المتعلم أن دافعيته انخفضت ثم يقوم بشيء عمداً للتأثير فيها. ولهذا لا ينبغي أن نفترض أن التلميذ الذي يفقد اهتمامه يستطيع تلقائياً أن يعيده.
كما أن الاهتمام نفسه قابل للنمو. يقدم Hidi & Renninger (2006) نموذجاً يبدأ باهتمام موقفي يُثار، ثم يمكن أن يُحافظ عليه، قبل أن يتطور في بعض الحالات إلى اهتمام فردي أكثر استقراراً. ويمكن أن يتأثر هذا التطور بدعم الآخرين، وبالتحديات أو الفرص التي يراها الفرد داخل المهمة.
إذن من الممكن أن يبدأ التلميذ من: «هذا لا يهمني.» ثم يجد سؤالاً أو تحدياً أو فائدة تجعله يتابع لبضع دقائق أخرى. وهذه الخطوة الصغيرة هي بالضبط ما نريد أن نعلمه أولاً.
على الأستاذ أن يثير الاهتمام ثم يساعد التلميذ على تعلم إيجاده بنفسه
في المراحل الأولى، يتحمل الأستاذ جزءاً كبيراً من العمل. يمكنه أن يثير الفضول بسؤال لا تظهر إجابته مباشرة، أو أن يقدم تحدياً مناسباً، أو أن يبين لماذا تستحق الفكرة أن تُفهم. وهذا يتفق مع تصور Hidi & Renninger للاهتمام الموقفي بوصفه اهتماماً يمكن أن ينشأ من خصائص البيئة والمحتوى، لا من اهتمامات المتعلم السابقة وحدها.
لكن الهدف على المدى الأبعد ليس أن يبقى الأستاذ المصدر الوحيد للاهتمام. تنظيم الدافعية يعني أن يكتسب المتعلم نفسه إجراءات يستطيع استخدامها عندما تنخفض رغبته في المتابعة. ويضع Wolters (2003) هذا النوع من التحكم المقصود في الدافعية ضمن التعلم المنظم ذاتياً.
وتدعم دراسة Schwinger وزملائه (2009) أهمية هذا المستوى التنظيمي. ففي عينة من 231 تلميذاً في الصفين الحادي عشر والثاني عشر، ارتبط استعمال استراتيجيات تنظيم الدافعية بإدارة أفضل للجهد، وهذه بدورها تنبأت بالتحصيل الدراسي. لم يكن الأثر المباشر للاستراتيجيات على الدرجات هو القضية الأساسية؛ بل كان دورها في المحافظة على الجهد والمثابرة.
إذن يمكن للأستاذ أن يفعل أمرين معاً: يهيئ مهمة فيها ما يمكن أن يثير الاهتمام، ويعلّم التلميذ كيف يبحث بنفسه عن هذا المدخل.
وعندما يظهر المزاح أثناء الشرح، لا يحتاج إلى تحويل الموقف إلى نقاش طويل حول السلوك. يمكن أن يعيد التلميذ سريعاً إلى المهمة: «ابحث هنا عن الشيء الذي يستحق أن تتابعه.» ثم يعيد تنشيط المحتوى نفسه بسؤال أو تحدٍّ أو فائدة.
الاستراتيجية في الممارسة تحول البحث عن المتعة خارج المهمة إلى بحث عن اهتمام داخلها
قبل تعلم الاستراتيجية قد يكون المسار هكذا:
لا يجذبني الشرح → أبحث عن شيء أكثر إمتاعاً → أمزح أو أخرج عن الموضوع.
بعد تعلمها يصبح:
لا يجذبني الشرح مباشرة → أبحث داخله عن مدخل للاهتمام → أجد سؤالاً أو تحدياً أو فائدة → أواصل المتابعة.
ومن هذا المنطق جاءت أداة:
«أثناء الشرح… أبحث عن شيء يستحق المتابعة»
وتقدم للتلميذ ثلاث عدسات يمكنه أن يجرب إحداها:
1. فضول
ما الذي أريد أن أعرفه؟
2. تحدٍّ
ما الذي أريد أن أفهمه أو أتوقعه؟
3. فائدة
أين يمكن أن يفيدني هذا؟
لا يحتاج التلميذ إلى استعمال العدسات الثلاث في كل مرة.
يحتاج سبباً واحداً فقط ليبقى مع الفكرة.
فقد يثيره سؤال يريد معرفة إجابته.
وقد يحوله إلى تحدٍّ يريد أن يفهمه أو يتوقع نتيجته.
وقد يرى فائدة لم يكن منتبهاً إليها.
وظيفة الأداة ليست أن تقنع التلميذ بأن كل موضوع ممتع. وظيفتها أن تذكره بأن الاهتمام ليس دائماً شيئاً ننتظره؛ يمكن أحياناً أن نبحث عنه.
المعلومة التي نريد أن تبقى
المتعلم لا يحتاج أن يكون مهتماً مسبقاً بكل مهمة حتى يستطيع متابعتها. يمكن أن يُثار الاهتمام داخل الموقف، ويمكن للمتعلم أن يتعلم تدريجياً كيف يدعم دافعيته عندما لا تجذبه المهمة تلقائياً.
والبداية بسيطة: أبحث داخل ما أتعلمه عن فضول، أو تحدٍّ، أو فائدة؛ وأحتاج سبباً واحداً فقط لأبقى مع الفكرة.
المراجع
Hidi, S., & Renninger, K. A. (2006). The four-phase model of interest development. Educational Psychologist, 41(2), 111–127.
Sansone, C., Weir, C., Harpster, L., & Morgan, C. (1992). Once a boring task always a boring task? Interest as a self-regulatory mechanism. Journal of Personality and Social Psychology, 63(3), 379–390.
Schwinger, M., Steinmayr, R., & Spinath, B. (2009). How do motivational regulation strategies affect achievement: Mediated by effort management and moderated by intelligence. Learning and Individual Differences, 19, 621–627.
Wolters, C. A. (2003). Regulation of motivation: Evaluating an underemphasized aspect of self-regulated learning. Educational Psychologist, 38(4), 189–205.
شاهدها في موقف صفي: المزاح أثناء الشرح
تعليقات
إرسال تعليق